حيدر حب الله
269
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
العرب كانت تطلق الأخذ بالناصية وتريد بها التملّك والسلطنة ، فعندما تقول بأنّه آخذ بناصية زيد وعمرو فأنت تقصد أنّه مالك لهما أو أنّه مسيطر عليهما ، وليس المراد أنّه يريد أن يعينهما على اتخاذ القرارات . فالآية تقول عن لسان نبيّ الله هود عليه السلام مخاطباً قومه : ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( هود : 56 ) ، فبقرينة تعبير ( ربي وربكم ) يمكن أن نفهم أنّه يريد أن يقول لهم بأنّ الله الذي أتوكّل عليه هو الذي يربّي ويدير شؤون كلّ شيء ويتحكّم بمصائره ، أنا وأنتم وكلّ الدواب على الأرض ، ولو كان المقصود مساعدة الحيوانات على اتخاذ القرارات لما ناسب التعبير بالأخذ الذي يفهم منه وضع القبضة على مقدّم رأس الحيوان وجرّه ، وهذا التعبير يفيد التحكّم والسلطنة والجرّ ، ولهذا جاء في الآية الأخرى التعبير ب - ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) ، أي لنجرّنه ونجذبنّه جذباً بناصيته ، في إشارة واضحة إلى حالة الإذلال والتحكّم به والجرّ . فلنتصوّر المشهد : شخص تضع يدك على مقدّم شعر رأسه ثم تأخذه به وتجرّه جرّاً ، ماذا يعني لنا هذا المشهد ؟ هل يعني المساعدة في اتخاذ القرارات أم يعني التحكّم به تارةً وسوقه نحو غاية خلقه ، والإذلال أخرى عندما يأتي تعبير السفع ؟ والعرب تستخدم هذه التعابير في حقّ الحيوانات ، فالحيوان تارةً يجرّ من رأسه وهذا هو الأخذ بالناصية والتحكّم به وبمصائره ، وأخرى يجرّ من ساقه فتؤخذ ساقه ويجرّ ، وهذا هو التعبير بالأخذ بالساق الذي جاء في بعض الأحاديث النبويّة ، كنايةً عن السلطنة أيضاً ، فعندما يقول الحديث : « الطلاق بيد من أخذ بالساق » ، فهو تعبير كنائي عن السلطنة ؛ لأنّ من يأخذ بساق الغنم أو الماعز مثلًا ، فهو يملكه ويتحكّم به ، فإنّه بعد شرائه له يأخذ بساقه ويجرّه إلى